الشيخ محمد علي الأراكي

137

أصول الفقه

وذلك مثل القدرة على متعلّق التكليف حيث إنّه لا دخل له في مصلحة أو مفسدة ذات الفعل كما هو واضح ، مع عدم أخذ الشارع إيّاها في دليل من أدلّه الواجبات أو المحرّمات قيدا مذكورا في الكلام ، وإنّما الثابت هو حكم العقل بعدم حسن توجيه الخطاب نحو غير القادر وقبحه . ثمّ الفرق بين هذين القسمين من القيود هو تبدّل إطلاق مادّة أدلّة التكاليف في القسم الأوّل إلى التقييد ، بمعنى أنّ ظاهر الكلام دخل القيد في ما هو المطلوب ومتعلّق الغرض الواقعي ، بحيث لولاه لما كان في البين مفيض للطلب ، وبقاء هذا الإطلاق بحاله في القسم الثاني ، بمعنى أنّه يحكم بأنّ متعلّق غرض المولى ومراده اللبيّ ومحبوبه الجدّي هو الفعل على وجه الإطلاق من دون دخل لشيء آخر فيه وإلّا لذكره ، فحيث لم يذكره مع كونه بصدد بيان تمام ما هو مرتبط بهذا المراد اللبيّ كان قضيّة ذلك عدم دخل شيء آخر وكون تمام الدخل لذات الفعل وحده ، نعم غاية الأمر أنّ العقل حيث يقبح توجيه الخطاب نحو فاقد القيد يلزم من ذلك التقييد في هيئة تلك الأدلّة ، فتحصّل أنّ في القسم الثاني يكون الفعل أو الترك مطلوبا مطلقا حتى بالنسبة إلى من يقبح الخطاب نحوه . إذا عرفت ذلك فنقول : الشكّ في القسم الثاني لا يكون مجرى للبراءة ؛ إذ هو في الحقيقة شكّ في حسن توجيه الخطاب مع العلم بأصل المطلوبيّة ، وحكم العقل فيه الاشتغال ؛ لكون البيان من قبل المولى تامّا ، مثاله : ما لو رأى العبد أنّ ابن المولى صار مشرفا بالغرق ، فعند هذا يعلم بأنّ المبادرة إلى إنقاذه مطلوبة لمولاه طلبا شديدا لا يرضى بتركه أبدا ، ولكنّه شكّ في كونه قادرا على إنقاذه أو لا ، للشكّ مثلا في وصول حبله إلى الغريق وعدمه ، فهو لأجل شكّه في وجدانه شرط صحّة الخطاب وهو القدرة شاكّ في توجّه تكليف المولى نحوه فعلا ، لكنّ العقل بالبداهة لا يحكم بمعذوريّته بمجرّد ذلك ، بل يوجب عليه الدخول في العمل وإلقاء الحبل .